شجون ثقافية
هل تعاني الثقافة أم يعاني المثقف؟
لماذا نتراجع ثقافيًا كأمة و نحن نملك إرثًا لا يُستهان به؟
هل لأن المثقف انشغل عن دوره الحقيقي أم لأنه لم يستشعر حجم الإرث الثقافي أم ظروف الحياة التي حالت دون تأدية دوره الثقافي أم هي معوقات اعترضته وهو يعاني فكانت القشة التي قصمت ظهر المثقف؟
لاشك أن تلك المعوقات كانت القشة التي جعلت من المثقف يتراجع عن أداء رسالته الثقافية وأقول أداء لأن نشر الثقافة شيء وأداء الرسالة الثقافية شيء آخر فأداء الرسالة ليس في نشرها فقط بل و في رسم قواعدها.
في أمتنا كم هائل من المثقفين والذين يشار إليهم بالبنان لما يمتلكون من قدرات ومهارات في تثقيف المجتمع و تنمية الفكر بشكل عام رغم الصراع الثقافي الملاحظ بين عدة أطياف لكن ذلك الصراع لم يؤثر تأثيرًا سلبيًا في تكوين بيئة ثقافية داخل المجتمعات و لم يكن عائقًا رئيسيًا لكن المعوقات هنا كانت القشة التي ساهمت في ضعف أداء الرسالة الثقافية من قبل المثقف.
قرأنا لكثير من الأدباء و الروائيين و الشعراء وغيرهم والذين ساهموا في إيصال الفكر الثقافي للمجتمع و تكوين مجتمعًا ثقافيًا ووضعوا حبرهم على الجروح التي تعاني منها المجتمعات لكن هل تصدر المشهد من يقوم بحمل راية الثقافة و تأدية الرسالة وعلاج تلك الجروح ؟
قامت الكثير من الكيانات الثقافية داخل وخارج عالمنا العربي لكنها بالمجمل أشبه بمنتديات ثقافية لم يتعدى دورها تكوين بيئة ثقافية بين المثقفين أو المساهمة في نشر الثقافة داخل المجتمع سوى اجتهادات سرعان ما تواجه معوقات حالت دون استمراها و المعوقات هنا إما أنها داخلية أو خارجية.
لا يملك المثقف أمام المعوقات الخارجية إلا تكوين رأي ثقافي عام يواجه به تلك المعوقات و هنا قد يناضل كثيراً من أجل أن ينمو ذلك الرأي و يسقيه من دمه قبل حبره .
إن المثقف العربي و هو يواجه تلك المعوقات الخارجية و كأنه في رحلة يعاني فيها من وعثاء السفر وكآبة المنظر وغالبًا ما ينتهي به الحال إلى سوء المنقلب فالبيئة الخارجية تؤمن بأن الثقافة هو قوة ناعمة لو لم يروضوها داخل القصر لحاصرتهم خارجه.
المعوقات الداخلية التي يواجهها المثقف داخل البيئة الثقافية أو لنقل يتسبب بها ذلك المثقف تحول بالتأكيد دون تأدية رسالته، فالمثقف يطمح لأن يبني له اسماً ثقافياً من خلال ما يكتب أو ما يقدم وهذا من حقه فيشغله ذلك عن تأدية تلك الرسالة و هذه مشكلة فبناء الاسم لا ينبغي أن يسعى إليه المثقف بل يترك ذلك للوقت فهو كفيل بذلك والوقت هنا تاريخ لا ينسى و لذلك و مع حرصه على صناعة اسم فإنه قد يقدم تنازلات لأي طرف من أجل أن يصل و هنا قد يصل إلى خيانة رسالته وهنا لنسأل أنفسنا أسئلة مهمة وهي:
هل كل مثقف لا بد وأن تكون له رسالة يؤديها للمجتمع؟
كيف نتهمه بالخيانة على شيء ليس بواجب عليه؟
لماذا نطلب من المثقف بان يكون له دورًا مجتمعيًا وهو من حقه أن يكتب فقط للمتعة أو لأجل كسب قوت يومه؟
لابد أن نعلم و نحن نطرح تلك الأسئلة بأنه لابد وأن نفرق بين من يحاول أن يعالج المشهد الثقافي من خلال ما يملك و بين من ينتمي للثقافة مجرد انتماء و بالتالي ليس كل مثقف أمامه رسالة فهنالك من ينتمي للثقافة ولا يتعدى دوره بعض الكتابات الشخصية شعرًا أو نثرًا ونقدًا لا علاج قضايا الإنسان وهمومه.
من المهم أن لا نغفل عن نقطة مهمة و نحن نتحدث عن البيئة الثقافية و التنازلات أن نعرج لتلك التنازلات التي يقدمها المثقف باسم المؤسسات الثقافية من أجل بقائها وهذه نقطة لا ينبغي تجاوزها فالمؤسسات وجدت لصناعة قوة ثقافية تعين البيئة الثقافية وتحمي المجتمع وهذا ما يغفل عنه من ينتمي لتلك المؤسسات أحيانًا فيروض تلك المؤسسات من أجل إرضاء البيئة الخارجية أيا كانت أو أنه يستخدم تلك المؤسسات الثقافية لخدمة أجندات أو يتصدر تلك المؤسسات لتلميع اسمه أو صناعته أو حتى لمجرد حضور تلك المؤسسات ببعض الأنشطة أو البرامج ويظن أن بذلك الحضور الثقافي قد أدت الرسالة و بلغت الأمانة .
إن المؤسسات الثقافية لها دور ليس فقط في تكوين بيئة ثقافية بل و حمايتها لتستمر ولتكون لتلك البيئة قيمة يستطيع كل من فيها من تأدية الرسالة الثقافية وصناعة المجتمع وعلاج مشكلاته و هنا قد يقول قائل بـأن حماية المؤسسات الثقافية لا بد وأن يكون بيد الأنظمة وهذا كلام صحيح لكن المؤسسات لابد وأن تفرض احترام الأنظمة لها حتى تفرض على الأنظمة حمايتها فلن يحميك إلا من يحترمك.
إن المؤسسات الثقافية تستطيع أن تفرض احترامها من خلال تمسكها بمبادئها وحرصها على الحفاظ على الموروث الثقافي وعدم تقديم التنازلات لإرضاء أي طرف مهما كان.
إننا نمر بظروف استثنائية في ظل ثقافة دخيلة تريد هدم ثقافتنا وهنالك تحديات ليست بسبب قوة الثقافة الدخيلة لكن في ضعف مواجهتها من قبل الأنظمة في عالمنا العربي فالمؤسسات لن تقوم دون حماية النظام فكان لزاماً على المثقفين وعلى المؤسسات الثقافية توعية الأنظمة حتى تكون في مستوى قوة حمايتها لتستطيع الثقافة بعد ذلك أن تحمي مجتمعها وترتقي بفكره.
إننا لا نرفض الثقافات الخارجية فهي مرحب بها طالما ستساهم في الرقي الإنساني لكننا نرفض أن تغير تلك الثقافات في المبادئ الإنسانية و الفطر السليمة.
إن الثقافات ترتقي بالأمم وأن كل دخيل بمسمى ثقافة لا يعد ثقافة بل هو سلاح يستتر بالثقافة لن يكشفه إلا ثقافة حقيقية قائمة و لن تقوم تلك الثقافة الحقيقية لتحمي فكر مجتمعها بعيدًا عن ما سبق.