الرواية اليمنية.. إلى أين؟
من حسن حظ اليمني أنه ورث تركة على أرضه لا يستهان بها من إرث حضاري ضخم كان منطلق لحضارات الدنيا من حولها، فصنعتها، أو ساهمت بها على مر التاريخ، مما يجعلني أجزم بأن اليمن تجاوزت مرحلة أن تكون بلدًا لها حدودًا جغرافية، أو أن يكون لها نشيدًا وطنيًا يميزها كغيرها، فهي (جد الدنيا) بلا شك، لا تشارك العالم في تلك التقسيمات الجغرافية أو الحدود الدولية، فكل مكان في هذا العالم لها فيه بذور، زرعتها لأهلها، ليكملوا سقايتها، فأنبتت تراثًا يسر الناظرين.
لست هنا بصدد الحديث تاريخيًا، فالتاريخ تكفل بكتابة كل شيء، لكن ماذا عن حاضرنا كيمنيين؟ وكيف سنرسم المستقبل؟
هل يستطيع اليمني أن يواصل إبداعه ليحافظ على ذلك الإرث ويستمر في تقديم مجتمعه للعالم؟
العالم لا يقف، بل يواصل سيره، والتاريخ كالشجرة الكبيرة التي يُتكئ عليها لتظلنا وتُطعمنا، لكنها بحاجة لأن نستمر في سقايتها بالماء لتستمر هي لنا بالعطاء ولا تيبس، فالتاريخ وإن كان لا يموت لكنه قد يهرم.
من المعلوم بأن الثقافة هي ترجمة للحالة الحضارية للمجتمعات، ونحن كيمنيين كانت لنا كل المقومات لأن تكون لنا حركة ثقافية خالدة، ومستمرة، ولذلك كان لنا ما كان.
دعونا من الحديث عن الماضي، والذي لو تحدثنا عنه لتحدثنا عن ثاني أقدم مكتبة في التاريخ، وهي مكتبة معبد أوم بمحرم بلقيس بمأرب، والتي تعود إلى 1500 قبل الميلاد، أي أن تاريخها تجاوز أكثر من 3500 سنة، وهذا يفسر لنا أحد أهم أسباب سر وجود كل هذا الإرث الحضاري الكبير في اليمن، لكن لو تأملنا في الحركة الثقافية العربية في العصر الحديث كمثال وسألنا أنفسنا: أين هو اليمني منها؟
ما سر غياب الأديب والمفكر اليمني عن الساحة الثقافية العربية؟
أين هي الرواية اليمنية بين نظيراتها العربية؟
أين هي من الجوائز العالمية؟
من سيقدم البيئة اليمنية للعالم في ظل تقصير الأديب اليمني في تقديم مجتمعه للعالم من خلال رواياته؟
لماذا أصبح العالم جاهلًا بالبيئة اليمنية، وهي التي كانت حكاياتها تسود الدنيا، حتى تناقل أخبارها الهدهد، وعرف الجن أبسط تفاصيل أريكة في أحد قصورها.
هل اكتفينا بما ذكرته كتب التاريخ، وأن ليس هنالك حاجة في العصر الحديث لإبراز تفاصيل حياتنا ومجتمعاتنا للعالم من خلال رواياتنا؟ أم أن الأديب اليمني قصر في نقل موروثه للعالم من خلال رواياته وقصصه؟
هل نجح الجيل الأول في رسم خارطة طريق للرواية اليمنية؟
لو تأملنا لواقع اليمني في العصر الحديث، ليس في المجال الأدبي فحسب بل في شتى مجالات الحياة، لوجدنا أنه يمتلك قدر كبير من الإبداع، ويحمل نفس روح اليمني القديم، لكن الحياة عصفت به بسبب التغيرات السياسية في العالم الحديث، والظروف الاجتماعية داخل اليمن.
قديمًا كان اليمني يبدع من أجل أن يضيف للدنيا، فصنع حضارة لم يكتفي بالاستمتاع بها، بل ونقلها للعالم.
كانوا اليمنيون أولوا قوة، وأولوا بأس شديد، عاشوا بمدنية حقيقية، صنعها معهم ساسة ما كانوا يقطعون أمرًا حتى يستشيرون، فاستطاعوا أن يغيروا العالم ويضيفوا له.
إن الحياة المدنية العصرية، وإن كانت في الزمن القديم، ساعدت اليمني على الإبداع، فقد منحتهم الطمأنينة التي يستطيعون من خلالها إبراز حضارتهم ونقلها للعالم بشتى الطرق.
تلك الطمأنينة التي لم تكن لتتحقق لولا الاستقرار الاجتماعي، والاقتصادي، والتي كانت نتيجة استقرار سياسي بلا شك، ولو تأملنا الحياة المدنية لليمني في العصر الحديث لوجدنا أنه يعاني فيها بقدر كبير لم يعانيه على أرضه عبر التاريخ.
هو لم يرفض الحياة، لكنه اصطدم بواقع سياسي نتج عنه صعوبات اجتماعية، واقتصادية، غيرت منه لشخصية تبحث عن فرص البقاء على قيد الحياة.
نعم، مازال هنالك إبداع لكنه تحول من إبداع لصنع الحياة إلى إبداع يرغب من خلاله إلى طرق يبقى فيها على قيد الحياة.
ساير اليمني واقعه، وانشغل بحياته، وعاش يبحث عن لقمة عيشه، معتمدًا على مواهب كان يفترض أن يقدم من خلالها لوطنه وللعالم، فآثر أن يستخدمها لنفسه، ولا يلام بدرجة كبيرة في ذلك، ففرص البقاء على قيد الحياة لم تعد كالسابق.
يتحمل الروائيون نقل حضارتهم ومجتمعاتهم للعالم من خلال الرواية، وهم بالتأكيد يختلفون عن المؤرخين الذين يغلب عليهم سرد المعلومات، بينما الروائي ينقل لك الحياة بتفاصيلها بقالب شيق، لكن هل استطاع الروائي اليمني أن ينقل الواقع اليمني بتفاصيله للعالم؟
هل نجح كغيرة في تقديم وطنه للعالم، وتفاصيل بلده المكانية، وأحداثه الزمانية؟
أين الروايات التي تتحدث عن معاناة اليمنيين في القرن الماضي؟
أين هي عن الاحتلال الإنجليزي؟
أين هي عن قضايا المغتربين في تسعينيات القرن الماضي، وما بعد ذلك؟ وحال الأسر اليمنية حينها؟
أين تلك الروايات التي تتحدث عن الوحدة اليمنية، وعن الثورة؟
أين تلك التي تتحدث عن الحياة في صنعاء، وعدن، وتعز، والحديدة وغيرها؟
عن باب اليمن، وقلعة القاهرة، وجامع الجنيد، وبحر الحديدة، والتواهي، والشحر، وشجرة دم الأخوين؟
عن البيوت القديمة، وقمرياتها، وعن صوت الأذان؟
عن السلتة، والفحسة، وبنت الصحن، والكعك، وشجرة البُن، وليالي العيد؟
عن معاناة رب الأسرة، وعن عفاف الفتيات اليمنيات، بعيدًا عن الاستخفاف الحاصل في نقل صورة سيئة عنهن؟
عن الحياة في القرية؟
عن الأوضاع الاقتصادية، وعن هذه الحرب التي عانت منها حتى الدواب؟
وظف الروائي اليمني قلمه لخدمته، حاله حال الكثير من اليمنيين في شتى المجالات الذين استغلوا إبداعهم لخدمة فرصهم في العيش كما ذكرنا، وأراد أن يصل بقلمه بعيدًا بين صناعة اسمه، أو إضافة مادية تعينه على البقاء، ولا نلومه هنا، فلم ولن يجد دعمًا ماديًا، أو تأمينًا لوظيفة يقتات منها، ولم يجد دعمًا إعلاميًا يسلط عليه الضوء، فكان بحاجة لأن يبحث عن مصادر ذلك الضوء، فالإنسان بطبعه يتطلع للبروز، أو على الأقل لن يفرط بفرص البقاء على قيد الحياة، ومع كل تلك الصراعات لإثبات الذات، أو الرغبة في البقاء، غاب عن الكثير من الأدوار التي كان يجب عليه أن يؤديها ليصل بالرواية اليمنية لمكانها الطبيعي بين نظيراتها العربية والعالمية، وينقل قضايا مجتمعه، ويعرف به، فكان يكتب بحسب ما يخدم أهدافه، أو مسايرة السوق من أجل تحقيق انتشار، أو يطلق لفكره الخيال فيكتب لينسى ضغوطات الحياة.
لم تنحصر صراعات الروائي اليمني في إثبات الوجود، وتقلبات الحياة المعيشية، بل تعدى الأمر لدى الروائي إلى محاولته إنكار التهم الموجهة إليه، فالروائي حاله كذلك حال غيره من اليمنيين البارزين في المجتمع متهمين بانتمائهم السياسي والحزبي، قبلوا بذلك أو رفضوا، فما إن يبرز اسمه حتى يبدؤا بتصنيفه وفق منطقته التي ينتمي إليها، أو وفق رأي صرح به ووافق حزبًا أو خالف آخر، أو بحسب صداقاته ودائرة علاقاته، وفي هذا الجانب نحن في بلادنا متهمين لن تثبت براءتنا حتى وإن غابت أداة إدانتنا.
إن نقل الواقع اليمني حتى في أسوء الظروف يبقى أمانة لابد من استشعارها سواء من الروائيين أو من غيرهم ممن كان مجاله نقل الواقع، وتمثيل أمته، فالأمر هنا ليس مقتصرًا على السفراء، فالسياسيين في العالم العربي أصبحوا جزءًا من المشكلة لا الحل، فضلًا عن كونهم ليسوا المخولين الوحيدين بصناعة وطن.
إننا مازلنا نقول بأن الجيل الأول من الروائيين اليمنيين لم يذهب ليكمل غيره الرسالة، لأننا مازلنا نبحث عن الطريق لنرسم خارطته، والتي لابد منه لنواصل المسير أو على الأقل لنقول بأن لدينا خارطة في بلد مزقت الحروب كل طرقه، ولم نعد نعرف أين الطريق إلى الوطن.
صحيح أن المكتبة اليمنية لم تخلوا من روائيين كتبوا ونقلوا قضايا وآلام بلادنا، وتفاصيل حياتنا، وتاريخنا الثري، لكنهم قليل، ولذلك مازلنا بحاجة إلى الكثير والكثير، حتى نقول بأننا وصلنا لبداية الطريق، ولن يستطيع الروائيون وحدهم رسم خارطة لذلك الطريق، فهم بحاجة لكافة مؤسسات البلاد ليرسموه معهم دون أن يكون مائلًا، تمامًا كما هي تلك المؤسسات بحاجة لبعضها لتصنع لأبنائها مكانة في هذا العالم، فعدة وجوه قد يرسمها رسام واحد، بينما لن ينجح في رسم طريقًا يصل بنا لما نريد إلا عدة رسامين نتمنى أن يكون الساسة بينهم.