المنظمات الثقافية بين مطرقة ضعف الموارد وسندان المصالح
في عالمنا العربي، بل وفي كل دول العالم، الكثير من المنظمات الثقافية والإنسانية المختلفة التي وُجدت لخدمة أبناء المجتمع المدني بكافة أطيافه، ولتُسهل الكثير من الأمور الحياتية لهم، وتغطية النقص الذي لا تؤديه الحكومات بطبيعة الحال.
هذه المنظمات الثقافية والإنسانية لابد من جهة تقوم بإنشائها وإدارتها، ولذلك اهتمت الحكومات، والمنظمات العالمية، وبعض القطاعات الخاصة، بإنشاء بعض هذه المنظمات الثقافية والإنسانية، وهذه المنظمات بالتأكيد كانت تجد كل الدعم المادي، والمعنوي، ولم تكن لديها صعوبات في إقامة الكثير من البرامج والفعاليات، فخلفها يقف من أنشأها لخدمة المجتمع، وتحقيق أهدافه الخاصة بالتأكيد، وهذا ليس هو موضوعنا في هذا المقال، بل عن تلك المؤسسات التي تنشأ على جهود أفراد المجتمع المدني، وهذه المنظمات سواءً الثقافية أو الإنسانية وحتى تقوم بالكثير من البرامج والفعاليات التي تخدم أفراد المجتمع هي بحاجة إلى دعم مادي، وإلى كوادر يقومون على صياغة أنظمتها وسياساتها وتنفيذ تلك البرامج والفعاليات، وحتى يتحقق ذلك لابد من مدرسة إدارية تستطيع التغلب على كل تلك الصعوبات المحيطة، والمتعلقة بالأعمال التطوعية بشكل خاص.
نعم، فإدارة المؤسسات والمنظمات التطوعية يختلف بدرجة كبيرة عن الكثير من الكيانات الأخرى، سواءً الربحية أو غير الربحية، بسبب قلة أو إنعدام الدعم المادي، وقلة الكوادر التي قد نقبل العمل بشكل تطوعي أو بمكافأة بسيطة لا تساوي حجم العمل المقدم، بالإضافة إلى تهديدات في الأهداف والمبادئ التي تتبناها المنظمة، والتي قد تضطر لتقديم تنازلات عنها، مقابل بعض الامتيازات.
من الممكن أن نقول بأن من أسباب قلة الدعم المادي للمؤسسات التطوعية قد يعود للظروف الاقتصادية التي أصابت العالم، خاصة بعد جائحة كورونا، وكذلك إلى عدم قبول بعض المؤسسات التطوعية لبعض طلبات الداعميين، لأنها قد تخالف توجهات المنظمة، والداعم لا يقدم إلا بمقابل، والمنظمات صاحبة الأهداف الواضحة لا تقبل بمقابل يخالف توجهاتها ومصداقية برامجها في أغلب الأحيان.
كذلك أصبح الكثير من الداعمين لا ترضيه النتائج المعنوية في زمن مادي، خاصة مع توجه الناس وانشغالهم بتوافه الأمور، ولم يعد للجانب الثقافي ذلك الاهتمام.
ليس الجانب المادي كما ذكرنا وحده هو المشكلة التي تواجه المنظمات، فكذلك الكوادر البشرية والتي أرى بأنها أكثر أهمية من الجانب المادي.
إن نجاح أي مؤسسة تطوعية يعتمد على نجاحها في إدارة كوادرها البشرية، فبكوادرها البشرية تستطيع التغلب على أكبر المشكلات التي تواجه المنظمة، وعلى رأسها ضعف الموارد المالية، فقط لو علمت بأن الإنسان هو محور نجاح أي عمل في الوجود.
حاولت أثناء رئاستي لإحدى المنظمات الثقافية أن أطبق بعض النظريات في العمل التطوعي، ولمست نتائج ممتازة، وعندها كانت تأتيني أسئلة فيها نوع من الاستغراب من بعض زملائي رؤساء بعض المنظمات الثقافية الأخرى، تستفسر عن كيفية قدرة منظمتنا الثقافية على تجاوز الكثير من الصعوبات، وإقامة الكثير من البرامج، والفعاليات، والمؤتمرات، والاتفاقيات مع أكبر الجامعات، وفي إيجاد أطقم من الكوادر البشرية العاملة التي استطاعت الانسجام مع الأوضاع، وكانت لها بصماتها في أقسام المنظمة المختلفة، بل ونجاح منظمتنا في إقامة وافتتاح عدة مراكز تابعة لها بنفس قوة أقسام المنظمة الداخلية، رغم أننا لا نملك من الإمكانات المادية أي شيء.
لقد نجحنا في ذلك لأننا قدرنا الإنسان قبل أي شيء آخر، واستخدمنا نظريات عملية خاصة بنا في إدارة الأعمال التطوعية، وكمثال على ذلك نظرية (فاصلة خمسة)، والتي فيها من المرونة ما يشعر الزملاء العاملين بمتعة العمل التطوعي دون أن يؤثر ذلك على التزاماتهم الأخرى العملية، والأسرية، وغيرها من النظريات التي سنفرد لها مساحة للحديث عنها بالتفصيل في كتاب خاص بإذن الله.
لابد لنا أن نؤمن ونحن ندير العمل التطوعي بأن العاملين في المجال التطوعي لديهم من الظروف الإنسانية ما تجعلهم يبحثون عن فرص مادية أكبر، والمنظمات التطوعية بالتأكيد لا تستطيع الوفاء بالتزاماتهم المادية، وكذلك لديهم التزامات أسرية خاصة، فالوقت هنا مهم بالنسبة لهم مثل المال، وهنا لابد من تقدير ذلك أولًا، وثانيًا، وثالثًا، ولذلك خدمتنا نظرية (فاصلة خمسة) في مواجهة مثل هذه الأمور.
لا يعني ماذكرناه بأن أي منظمة يمكنها أن تستغني عن المال، بالتأكيد لا، بل لابد من جلب موارد مادية، وهذا سيتحقق طالما هنالك إنجازات على الأرض مع مرور الوقت، لكن لا يعني ذلك التوقف عن العمل وخدمة المجتمع طالما نملك الفكر.
لا يأتي كل العاملين إلى المنظمات من أجل البحث عن الكسب المادي فقط، فهنالك من يملك المال، لكنه يبحث عن المكانة الاجتماعية، وهذه من الأمور التي تعاني منها المؤسسات التطوعية، والتي هي مثل السرطان التي ينهش فيها، وهي المصالح.
كثير من المؤسسات التطوعية تُبنى على المصالح بعيدًا عن الهدف الذي وجدت من أجله، بدءًا من صاحب المنظمة، إلى بعض العاملين فيها، فصاحب المنظمة قد ينشئ منظمته من أجل نيل مكانة اجتماعية، وتوزيع الألقاب والشهادات على النخب، وإقامة الحفلات والمهرجانات، والحصول على امتيازات، وتحقيق مصالح، ومثل هذه المنظمات تكون محسوبة على المجال بطبيعة الحال.
هذا الأمر قد ينطبق على العاملين في المجال التطوعي، والذين قد يأتون إلى المنظمة من أجل نيل المناصب دون تقديم شيء يذكر، فلا تهمهم المادة بقدر ما تهمهم المكانة الاجتماعية، وكم عطل هؤلاء الكثير من الخدمات التي كان الناس بأمس الحاجة لها.
إن هؤلاء لم يكن لتكون لهم مكانة في المنظمات التطوعية دون دعم من أولئك الذين أنشأؤا منظماتهم للظهور الاجتماعي.
إن كثير من منظماتنا الثقافية والإنسانية أصبحت بين مطرقة قلة الموارد، وسندان المصالح، فلم تستطع خدمة المجتمع، ولا مواجهة تحديات كان ينبغي عليها مواجهتها.
إن مثقفي مجتمعاتنا كمثال أصبحوا كالتائهين، لا يجدون من يدعمهم خاصة مع ظروفهم الحياتية التي حالت بينهم وبين دورهم الثقافي بسبب غياب المؤسسات الثقافية التطوعية، ليس عن الساحة، فهي كثيرة ومنتشرة، لكن غيابها عن تأدية دورها الحقيقي بسبب ماذكرناه من أمور، وهنا نشعر بأهمية الفكر الإداري هنا.
من المؤسف أن الكثير يظنون بأن الإدارة عبارة عن أوامر، ومتابعة تنفيذها، وليس هذا الظن في المنظمات التطوعية فحسب، بل في كل مؤسسات المجتمع، ولذلك تضررت الكثير من المؤسسات بسبب ذلك.
كم من منظمة سقطت فقط لأنها ظنت بأن مقود قيادتها مهره صوت عالي، أو وجاهة اجتماعية.
كما أنه لا يعني أن تكون طبيباً فقط لتصبح مديراً لمستشفى، ولا كابتن طيار فقط لتصبح مديرًا لمطار، فلا يعني أن تكون مثقفاً فقط لتقود منظمة ثقافية يرى فيك المثقفين المغلوبين طوق نجاة، وكم من منظمة محتها الأيام فقط لأنها لم تعي ذلك، أو ظنت بأن وجودها في القمة كافيًا لاستمرار البقاء.
إننا نجد أقسامًا خاصة في كليات الإدارة في الجامعات لديها تخصصات في إدارة المستشفيات، والإدارة الفندقية، وغير ذلك، وهنا نسأل: لم لا يكون هنالك قسم خاص بالإدارة التطوعية؟
إن إدارة العمل التطوعي هي أكثر حساسية من غيرها من الإدارات للأمور التي ذكرناها، ولذلك هي بحاجة إلى دراسات وأبحاث في جانبها، فمن هي الجامعة التي ستبدأ بذلك؟
إنه ليس من المستحيل أن تقاد مؤسسات تطوعية بميزانية خالية، وتطويع كوادرها لتبقى للعمل معها رغم كل الظروف النفسية والصعوبات التي قد تواجههم، لو ملكنا فكرًا إداريًا قادرًا على تحقيق ذلك.
إنه وحتى يتحقق المأمول من منظماتنا الثقافية في خدمة المجتمع بكافة أطيافه ينبغي العمل على ما ذكرنا، دون اجتهادات غير مسؤولة، أو البحث عن استعطاف الجهات الرسمية، واستعطاف المجتمع بحثًا عن دعم أو بكاء على أطلال، فتصبح مؤسسات تطوعية تبحث عن من يبقيها على قيد الحياة ولو بقطرة ماء، بدلًا من أن تكون نهر جار يشرب منه أبناء المجتمع ويرون فيها حياة.