قراءة في رواية ريالات المشجبي

قراءة في رواية ريالات المشجبي

      ريالات المشجبي.. رواية للدكتورة حورية الإرياني، وهي كاتبة، وأديبة يمنية، صدرت لها عدة أعمال، منها هذه الرواية عن دار روافد في عام 2026م.

قبل أن نتحدث عن من هو بطل الرواية، وعن شخصياتها، لنبدأ من حيث بدأت الكاتبة.

من تلك التساؤلات الفلسفية التي صاحبت دخول كريم للقرية:

(مازلت لا أفهم هوس الناس بكتابة أسمائهم ملتصقة بأسماء الموتى؟ أولن تحمل ثقل الماضي؟ ألا يرون أنها تسحبهم للخلف؟)

وكررت ذلك في بعض فصول الرواية:

(ماهو الموت؟ وهل تغيب عنا حواس الجسد بموت الجسد؟)

تساؤلات فلسفسة جميلة عن الموتى، وتخليد اسمائهم بجانب الأحياء، وعن الموت، أسئلة تشغل عقل القارئ بالبحث عن إجابات لها، وهنا يتجلى إبداع الكاتبة في طرح تلك الأسئلة بين سطور روايتها، وكم تمنيت لو أنها واصلت تلك الأسئلة بين سطور روايتها؛ لذهبت بها إلى بعد آخر، لا يقل جمالًا عن ما كتبته.

اتقنت الكاتبة وصف القرية عند وصول كريم لها، جوها، وجبالها، وزروعها، وتفاصيل ساكنيها من خلال بساطة يومهم، ومهامهم ، وعن أرض الدوسة، ثم في وصف البيت الكبير عند دخول كريم لها.

وكذلك في وصف الحالة السياسية للقرية من سيطرة الظالم عليها، ولم تسترسل في ذلك لأنها أرادت الدخول بنا سريعًا إلى أحد بيوت القرية لنعيش فيه تفاصيل الرواية.

بدأت الكاتبة فصول روايتها من يوم كتابة كريم لمذكراته.

من بعد وصوله للقرية التي أراد أن يمر بها، ولا نعرف سبب مروره بها، ودخوله إلى البيت الكبير إلا في نهاية روايتها.

 عادت بنا الكاتبة إلى الوراء، وبالتحديد إلى ما قبل ثلاثة أجيال أجيال مضت من الآن، وإن كان كريم قد ذكر بأن البيت الكبير مر بيه جيلان قبله، ربما لأن عائلة مقبل لم تعيش فيه، حيث استذكر كريم قصة البيت الكبير ليحكي لنا حكاية ذلك البيت، ليقص علينا حكاية تلك الأجيال، وهنا لم تحدد لنا الكاتبة بالتحديد زمن كتابة الرواية، وزمن تسلسل الأحداث، لكننا سنكتشف ذلك من خلال أحداث الرواية، من أنها بدأت قبل سقوط نظام الإمامية بفترة.

بينت لنا الكاتبة مدى التأثر السياسي على القرية، وعلى شخصيات أبطالها، رغم أن أحداث الرواية بدأت وانتصفت في بيت ريفي يسمى البيت الكبير لآل الرحيمي، وهي عائلة لها مكانتها الكبيرة في القرية من خلال ما تملك من مال، وأراضي، أكثرها أهمية أرض الدوسة، والتي كانت مطمع لكل كبراء القرية، خاصة الحاكم مهنى، لكن نفوذهم المالي لم يمنع عنهم الظلم؛ لتنقلنا إلى صراع بين السلطة والمال، والذي انتصرت فيه السلطة بعد جيل بسبب حيلة ذلك الحاكم، وبسبب غياب دولة القانون، وحضور الإمامية، وهنا بينت لنا الكاتبة تأثير غياب دولة القانون على الحياة الاجتماعية في القرية، وأنها تتأثر بذلك مثل المدينة تمامًا، فهي جزء من الوطن، وكيف أثر بعد ذلك على عائلة ثابت وموت زوجته قرط جوعًا بعد وفاته.

أدخلتنا الكاتبة إلى البيت الكبير، ثم أغلقت علينا الباب، لنعيش أحداث الرواية في داخله، وهذا تحدى صعب لأي كاتب في صناعة الأحداث وسردها، خاصة عند تعاقب أجيال في بيت واحد دون أن تسمح لنا بالخروج من هذه الدار، وهذا الأمر بالتحديد بحاجة لقلم قادر على إبقاء القارئ في داخل ذلك الدار، وبناء أحداث مكتملة أركانه دراميًا، تتصاعد بسلاسة، دون حاجة القارئ إلى تفاصيل أخرى خارج تلك الدار، وقد نجحت الكاتبة بما تمتلكه من قدرات ومهارات في تحقيق ذلك، وأن تنتقل بالقارئ بكل سلاسة من جيل إلى جيل، إلى أن خرجت به من هذه الدار، لتحبسه مرة أخرى في دار مقبل، في صنعاء، لنشهد في داخله أحداثًا أخرى.

وعندما نتحدث عن تسلسل الأحداث في الرواية فإن الكاتبة استطاعت أن تدير ذلك التسلسل كما ذكرنا بسلاسة، فكانت تسرع الأحداث في مشاهد، وتبطئها في مشاهد أخرى، دعت الحاجة فيها لذلك، وهذا تسلسل مقبول مع سياق الرواية، وإن كنت أرى لو أن الكاتبة أبطأت في بعض مشاهد روايتها، مثل ولادة أول أبناء سعيد الذكور، فقد انتظرت الجدة نعمة كثيرًا هذه اللحظة، كذلك التفصيل في بعض الأحداث التي لعبت دورًا محوريًا في الرواية، كقيام الجمهورية، والتغيرات الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية بها، وكذلك التفصيل في حالة مقبل، وسمير، لكن بالمجمل استطاعت الكاتبة باحترافية أن تدير ذلك التسلسل؛ خاصة في تعاقب أجيال في الرواية، فالتعاقب السلس هنا يحسب لها بدرجة كبيرة.

أجمل ما في التسلسل الزمني للأحداث في الرواية هو نجاح الكاتبة في إدارة التغيرات الاقتصادية والاجتماعية لأسرة آل الرحيمي، وكأنها هنا تجيب لنا على أسئلة سر التحولات الاقتصادية عبر الأجيال، بين غناء وفقر، ومكانة اجتماعية تفتقدها الأسر بين الأجيال، أو تكتسبها، وليست أسرة آل رحيمي وحدها.

لنعد لأبطال الرواية، فقد يخيل للقارئ للوهلة الأولى بأن كريم مقبل الرحيمي هو بطل روايتنا، فهو الشخصية التي اختارتها الكاتبة في روايتها ليسرد لنا روايته التي كتبها من داخل البيت الكبير، لكننا سنجد أنفسنا من خلال فصول هذه الرواية بأننا أمام أبطال آخرين للرواية، لم يكونوا بين فصولها عابرين، بل تشاركوا بطولتها، وأداروا أحداثها بشكل واضح وهن: الحاجة نعمة، وهي ابنة الشيخ صادق الكبرى، صاحب المكانة والجاه في قريته، فكان لنعمة مكانة كبيرة عندما كانت في بيت أبيها، وكأن الكاتبة هنا تفسر لنا سر قوة شخصيتها، خاصة عندما ظهرت قوة شخصيتها وسيطرتها على الدار الكبيرة في ظل وجود زوجها الشيخ محمد الرحيمي، ثم شخصية مسك، والتي قدمت التضحيات للحفاظ على البيت الكبير، خاصة مع تغير زوجها سعيد منها؛ بعد زواجه الثالث من سرور، ثم قرط زوجة ثابت، وصبرها من أجل ولديها إلى هلاكها جوعًا، ثم زهر زوجة مقبل؛ وصمودها أمام الظروف الصعبة للبيت، في ظل جنون زوجها بعد خسارته لدكانه، فكان عليها مواجهة الحياة لوحدها للحفاظ على المنزل، وعلى أبنائها الذين خذلتهم الظروف في غالب الأحيان، رغم حرص زهر على حمايتهم من كل المؤثرات الخارجية، لكن الكاتبة أرادت إيصال رسالة أعمق لنا من خلال ما حصل لكل شخصية منهم، وهذا دور الكاتب بعيدًا عن المثاليات والنهايات السعيدة الغير منطقية، وكأن الرواية كتبت في بيت من بيوت تلك الأسر، أو بين الناس في الشارع، لا من خلف مكتب يسر الناظرين.

كانت هؤلاء النسوة هن البطلات الحقيقيات للرواية، رغم وجود شخصيات أخرى، لكنها لم تحضر بقوة هؤلاء النسوة، فلم يصل إليهن مقبل، ولا محفوظ بالرغم من تحمله المسؤولية أحيانًا مع والدته، ولم يكن لسعيد القوة بين والدته نعمة، صاحبة القوة في المنزل، ولا بين مسك، صاحبة التضحيات فيه، بل حتى رحمة؛ رغم عدم حضورها القوي في الرواية؛ إلا أن قصتها أخذت بعدًا إنسانيًا استطاعت الكتابة أن تكسبها تعاطف قرائها، ولولا أن الكاتبة قد أظهرت مها أنور بصورة الخذلان أمام خطيبها سمير، والذي تركته بسبب جنون أباه رغم مكانته الاجتماعية وصفته الاعتبارية كمعيد في جامعة تعز، وكذلك شخصية نعمة التي لم تراعي حقوق زوجها، لقلنا بأن الكاتبة من أنصار تحرير المرأة، لكن وجود الشخصيات النسائية كأبطال هنا، كأن الكاتبة أرادت من خلالها أن تبين لنا الدور الذي لعبته المرأة في تلك الأجيال المتعاقبة، ولتنقل لنا رسالة بأن المرأة لم تكن بذلك الضعف الذي نقله البعض عنها، وما يحسب للكاتبة بدرجة أكبرهنا هو قدرتها في أن تقنع القارئ بقدرة المرأة في الريف اليمني والذي يشتهر بتعظيم الذكور؛ على بسط سلطتها من خلال نعمة، ابنة الشيخ التي كانت لها كلمتها في بيت أبيها ثم في بيت زوجها، أو من خلال الأخريات في بيان مقدرتهن في الحفاظ على البيت رغم التحديات التي واجهتهن.

بطل آخر حضر بين سطور الكاتبة وهي الجمهورية، فقد كان لها حضور كبير على شخصيات الرواية، وعلى تغيير نمط حياتهم بعد قيامها، فقد كانت الأمل لهن بعد ما عانوه، وكنت أتمنى لو أن الكاتبة عرجت بنا لخارج الدار قليلًا لنعيش أسباب قيام الجمهورية، ثم ما واجهها من خذلان بعد عقود أدى لانكسارها، ولا نقول سقوطها، لكن ربما الكاتبة هنا رأت من خلال الدار والصراع مع الحاكم مهني (والذي كنا نتمنى لو عرفنا تفاصيل ما حدث له بعد قيام الجمهورية)، أن ذلك مغنيًا عن الخروج لخارج الدار من أجل سرد تفاصيل أخرى، وقد يكون لها وجهة نظر في ذلك.

الصراع بين السلطة والمال، الظلم، النفوذ، المرأة، التمييز بين ولادة الذكور والإناث؛ والتفرقة بينهم، التعدد وأسبابه، الفقر، الغربة، الانتماء للأرض، الإمامية، الجمهورية، كلها قضايا ناقشتها الكاتبة في روايتها، وعرجت عليها، وأبحرت بنا بين الصراع الذي انتصرت فيه السلطة على المال، وأفهمتنا معنى الغربة التي كنا نفهمها بمفهموها الضيق؛ من فقدان الأسرة لمعيلها من خلال أم نجيب وأبنائها التي هاجر زوجها عنهم من أجل لقمة العيش، إلى غربة أخرى عاشتها زهر بجنون زوجها وهو بجوارها، وكيف تعيش المرأة مرارة هاتين الغربتين، ولم تكتفي بغربة الزوج، بل كذلك بغربة أخت، كانت مصدر قوة لأخيها، وملجأ، تلك الغربة التي يحس فيها المرء بضعفه ولو كان رجلًا كفقدان ثابت لحنا، وهذا يجعلنا أمام رواية أرى من جهة أنها غير عادية في أسلوب طرح تلك القضايا، وترك علاج بعضها للقارئ.

اللغة في الرواية جميلة وسلسة، خاصة في إظهار اللكنة اليمنية من خلال اللهجة التعزية بسبب أن أبطالها من ريف هذه المدينة الساحرة، وإن كانت قد أهملت شرح مفردات بعض الكلمات، وإن كنت أعرف معانيها بحكم يمنيتي، لكن هنالك من قد يقرأ روايتها من خارج اليمن، وإدارج اللهجة هنا يحسب للكاتبة، وما أعهده عنها، وعن حبها الكبير لبلدها، وإظهار تفاصيله للقارئ، فهي يمنية حتى النخاع، سخرت قلمها لإبراز حضارة بلدها العريق، خاصة وأن رواياتها يقرؤها من غير اليمنيين، فكان حضور اللهجة، وتفاصيل الريف اليمني، وتفاصيل الدار، وسرد تفاصيل بعض المناسبات اليمنية، إضافات رائعة، وإبرازًا لتفاصيل بيئتنا اليمنية صاحبة الحضارة العريقة.

ختمت الكاتبة روايتها بعبارتين؛ قالها المشجبي لكريم:

(واحد ضيع أمه، والثاني ضيع أرضه).

(باقي الدار، الدار يا كريم).

عبارتان فيهما من العمق والسر ما يجعلني اترك للقارئ الإبحار في معانيهما، وهذا ما جعل الكاتبة تختم بهما روايتها، وتختصرها في عمق هاتين العبارتين، التي قد تقصد بهما الوطن، أو النفس، أو الأسرة، أو أشياء أخرى تركتها الكاتبة للقارئ.

باختصار نجحت الكاتبة في إيصال رسائلها من خلال هذه الرواية التي لخصت فيها معاناة الإنسان، والأسرة، والوطن.

1 فكرة عن “قراءة في رواية ريالات المشجبي”

  1. أم عزيز بندر

    ابداع منقطع النظير من جوانب عديدة وهذا ليس بجديد او مستغرب من مبدعة ومتألقة ككاتبتنا الجميلة اتمنى لها التوفيق دائما وانا شغوفة جدا بكل ما تكتبه وانتظر كل جديد لها حبي لك دكتورتنا الغالية وكاتبتنا المبدعة حورية 💕

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *